wordpress stat
Share

StatPress

Visits today: 45
819 views

القدس



وصلت إلى القدس بعدما بدا كأنه دهر من الانتظار. جدي انتظر 40 عام و لم يطق الانتظار أكثر فمات، وجدتي صمدت ستين عاما ثم استسلمت، أما أبي و جيل من الآباء فلا يزالون ينتظرون.


في التاكسي، كنت مع أحاول أن أتملص من عبثية السائق الإسرائيلي الذي كان يحدثني عن التاريخ العريق لعائلته الاسبانية، و تحدث عنه و كأنه بدأ من قبل النبي النوح. نقطة البداية بالنسبة له كانت عام 48 على أكتاف تاريخ غير موجود و هو تاريخ الشعب الفلسطيني. حدثني عن تاريخ زوجته المغربية، التي أعطي أهلها بيتا اختاروه باللحظة التي وصلوا فيها إلى ما كان يسمي عندها فلسطين. أخبرني كيف وصلوا إلى اللد، و كيف طلب منهم التجول في الحارات التي هجرها أصحابها و اختيار البيت الذي يشعرون بالراحة فيه.

رافقني بالرحلة التي بدأت بغربة الشعور بالعيش في بيت لم يألفوه و وانتهت بتقمصهم شخصية البيت و تاريخة، ؛ فأصبحت الصور المعلقة على جدران البيت هي صور أجداهم و أصبحت أدوات المطبخ أدواتهم و أغطية المفارش أغطيتهم و الملابس المتروكة ملابسهم و الحلي المنسية حليهم. تغيرت أذواقهم حتى تطابقت مع ذوق البيت و تغيرت ألوانهم حتى أصبحت ألوان البيت و تغيرت حياتهم لتتماشى مع حياة البيت. و كأن البيت كان يطالب بسكانه الأصليين فاضطروا لتغيير أنفسهم حتى يقبلهم البيت. نظرت إليه بمرارة، كنت أريد أن أصرخ أن هذه البيوت هي بيوت أجدادي الذين بدأ تاريخهم بآلاف السنين قبل 48.

لما هجرها أصحابها؟ سألته حتى أفهم مدى فهمه للتاريخ، فأعطاني نظرة حائرة و كأنني سألته عن أصل الحياة . لم يجبني.

فتحت الشباك لاستنشق فلسطين، كنت أتصرف و كأنني كاميرا تريد أن تخزن الصور و الألوان و الروائح المتعاقبة في مكان ما لا يستطيع لأي كان إلغاءها.

بدأت اللافتات الزرقاء تشير إلى القدس، و بدأت أكرر كلمة القدس لنفسي حتى تجردت من معناها، أصبحت الكلمة هي عبارة عن
مجموعة من الأصوات المرتبطة مع بعضها بطريقة عشوائية… “ا…ل…قققدددددسسسسس”

بعد 3 أيام من اكتشاف أنواع من الذل لم أألفها من قبل؛ نقص مياه الشرب في القرى الفلسطينية، في نفس الوقت الذي تغسل المستوطنات الإسرائيلية شوارعها ببذخ. بعد ثلاث أيام من النظر إلى نظافة الشوارع الإسرائيلية مقارنة في الشوارع الفلسطينية التي تراكمت القاذورات فيها بسبب تحكم الإسرائيليين بعربات القاذورات.

الجدار الفاصل القبيح الذي استبدل مساحات الخضراء و أشجار الزيتون، السجن الجماعي الذي رمي فيه شعب كامل و نسي، الى عشوائية آليات العمل ووقاحة الجنود على المعابر إلى اللافتات التفريقية التي تمنع بوقاحة دخول الفلسطينيين إلى المستوطنات وكأنهم وباء قاتل

في طريق العودة كنت أشعر بمرارة و حزن. سألت سائق التاكسي الفلسطيني. “كيف تتحمل؟”. أخبرني ببساطة. “ولد جدي في القدس و مات فيهان ولد أي في القدس و مات فيها، ولدت في القدس و سأموت فيها، ولد ابنائي في القدس و سيموتون فيها.
القدس كانت لنا، و ستبقى دائما لنا.



Share

Leave a Reply

 

 

 

You can use these HTML tags

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>